مجد الدين ابن الأثير

432

المختار من مناقب الأخيار

مكّة حرسها اللّه تعالى قال عبد اللّه بن المبارك : كنت بمكّة فأصابهم قحط ، فخرجوا إلى المسجد الحرام يستسقون ، فلم يسقوا ، وإلى جانبي أسود منهوك ، فقال : اللهمّ ، إنّهم قد دعوك فلم تجبهم ، وإنّي أقسم عليك أن تسقينا . قال : فو اللّه ما لبثنا أن سقينا . فانصرف الأسود واتّبعته ، حتى دخل دارا في الحنّاطين « 1 » ، فعلّمتها « 2 » . فلمّا أصبحت أخذت دنانير وأتيت الدار ، وإذا رجل على باب الدار ، فقلت : من ربّ هذه الدّار ؟ قال : أنا . قلت : مملوك لك أردت شراءه . فقال : لي أربعة عشر مملوكا أخرجهم إليك . فأخرجهم ، فلم يكن فيهم ، فقلت له : بقي شيء ؟ فقال : لي غلام مريض . فأخرجه فإذا هو الأسود ، فقلت : بعنيه « 3 » . فقال : هو لك يا أبا عبد الرحمن . فأعطيته أربعة عشر دينارا ، وأخذت المملوك ، فلمّا صرنا إلى بعض الطّريق قال : يا مولاي ، أيّ شيء تصنع بي وأنا مريض ؟ فقلت : لما رأيت منك عشيّة أمس . قال : فاتّكأ على الحائط فقال : اللهمّ إذ شهرتني فاقبضني إليك . قال : فخرّ ميتا . قال : فانجشر عليه أهل مكّة . وفي رواية أخرى أتمّ من هذه ، قال ابن المبارك : قدمت مكة فإذا الناس قد قحطوا من المطر ، وهم يستسقون في المسجد الحرام ، وكنت في الناس ممّا يلي باب بني شيبة إذ أقبل غلام أسود ، عليه قطعتا خيش ، قد اتّزر بإحداهما ، وألقى الأخرى على عاتقه ، فصار في موضع خفيّ إلى جانبي ، فسمعته يقول : إلهي ، أخلقت الوجوه كثرة الذّنوب ، ومساوئ

--> ( 1 ) الحناطين : موضع بمكة ، انظر تاريخ مكة للأزرقي 2 / 234 ، 251 ، والروض المعطار 194 ، وقد تحرفت في صفة الصفوة إلى الخياطين . ( 2 ) في ( ب ) : « فعرّفتها » . ( 3 ) في ( أ ) : « بعينه » .